مجمع البحوث الاسلامية

240

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الْأَرْضُ البقرة : 251 ، بغلبة أهل الطّاغوت عليها ، وظلمهم لأهلها ، وإهلاكهم للحرث والنّسل فيها . فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . . هذا بيان لمفهوم عدم استواء المجاهدين والقاعدين غير أولي الضّرر ، وهو أنّ اللّه تعالى رفع المجاهدين عليهم درجة ، وهي درجة العمل الّذي يترتّب عليه دفع شرّ الأعداء عن الملّة والأمّة والبلاد . وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي ووعد اللّه المثوبة الحسنى كلّا من الفريقين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد عجزا منهم عنه ، وهم يتمنّون لو قدروا عليه فقاموا به ، فإنّ إيمان كلّ منهما واحد وإخلاصه واحد . وقدّم مفعول ( وعد ) الأوّل ، وهو لفظ ( كلّا ) لإفادة حصر هذا الوعد الكريم ، في هذين الفريقين المتساويين في الإيمان والإخلاص ، المتفاضلين في العمل ، لقدرة أحدهما وعجز الآخر . ( 5 : 350 ) نحوه المراغيّ ملخّصا . ( 15 : 129 ) الطّباطبائيّ : وأمر الآية في سياقها عجيب : أمّا أوّلا : فلأنّها قيّدت المجاهدين أوّلا بقوله : فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وثانيا : بقوله : ( بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ، وثالثا : أوردته من غير تقييد . وأمّا ثانيا : فلأنّها ذكرت في التّفضيل أوّلا أنّها درجة ، وثانيا أنّها درجات منه . أمّا الأوّل فلأنّ الكلام في الآية مسوق لبيان فضل الجهاد على القعود ، والفضل إنّما هو للجهاد إذا كان في سبيل اللّه لا في سبيل هوى النّفس ، وبالسّماحة والجود بأعزّ الأشياء عند الإنسان وهو المال ، وبما هو أعزّ منه وهو النّفس ، ولذلك قيل أوّلا : وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ليتبيّن بذلك الأمر كلّ التّبيّن ، ويرتفع به اللّبس ، ثمّ لمّا قيل : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . . لم تكن حاجة إلى ذكر القيود من هذه الجهة ، لأنّ اللّبس قد ارتفع بما تقدّمه من البيان ، غير أنّ الجملة لمّا قارنت قوله : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى مسّت حاجة الكلام إلى بيان سبب الفضل ، وهو إنفاق المال وبذل النّفس على حبّهما ، فلذا اكتفى بذكرهما قيدا للمجاهدين ، فقيل : ( الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ، وأمّا قوله ثالثا : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . . فلم يبق فيه حاجة إلى ذكر القيود أصلا لا جميعها ولا بعضها ، ولذلك تركت كلّا . وأمّا الثّاني : فقوله : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ( درجة ) منصوب على التّمييز ، وهو يدلّ على أنّ التّفضيل من حيث الدّرجة والمنزلة ، من غير أن يتعرّض أنّ هذه الدّرجة الموجبة للفضيلة واحدة أو أكثر ، وقوله : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ . . . كأنّ لفظة ( فضّل ) فيه مضمّنة معنى الإعطاء أو ما يشابهه ، وقوله : دَرَجاتٍ مِنْهُ بدل أو عطف بيان لقوله : أَجْراً عَظِيماً . والمعنى : وأعطى اللّه المجاهدين أجرا عظيما مفضّلا إيّاهم على القاعدين ، معطيا أو مثيبا لهم أجرا عظيما وهو الدّرجات من اللّه . فالكلام يبيّن بأوّله أنّ فضل المجاهدين على القاعدين بالمنزلة من اللّه مع السّكوت عن بيان أنّ هذه المنزلة واحدة أو كثيرة ، ويبيّن بآخره أنّ هذه المنزلة ليست منزلة واحدة بل منازل ودرجات كثيرة ، وهي الأجر العظيم الّذي يثاب به المجاهدون .